من بعض قصص الخطوبة
قالتها بشيء من الخفر. توردت وجنتاها و هي تحتضن هاتفها في سرور، و تطلق ضحكة عذبة اهتز لها و لا شك قلب مستمعها. اقتربت منها في شك و في عيني تساؤل و استنكار، فخفضت صوتها و وشوشت، ثم سارعت بإنهاء المكالمة. سألتها : مع من كنت تتحدثين؟
قالت في دفاع : خطيبي !
و كأن الحديث قد انتهى، ابتعدت و هي تضغط بأناملها الرقيقة على أزرار الهاتف. ربما كانت تكتب رسالة حب جديدة. لأنه خطيبها، فمن حقها أن تبادله كلمات الحب و الغرام. لأنه خطيبها فلا شيء يمنعها من التصريح بمشاعرها. فهو سيكون زوج المستقبل، أليس كذلك؟
أصررت هذه المرة : إنه خطيبك و ليس زوجك ! فلماذا لا تحتفظان بهذه الأحاديث العاطفية حتى يحين وقتها؟
قالت في ضيق : لكن هذا هو وقتها ! أليست فترة الخطوبة هي فترة التعبير عن المشاعر؟ إن لم أسمع كلمات الحب منه و لم يسمعها مني، فكيف أضمن أن تكون مشاعره ناحيتي ثابتة لم تتغير؟ ثم، إن لم يقلها الآن، فربما لا أسمعها منه فيما بعد. فالرجال يميلون إلى الصمت بعد الزواج !
طال الحديث بيننا لدقائق أخرى. لكنها ظلت على عنادها...
كلمات الحب، لم تكن تنتمي إلى قاموسي قبل الزواج. لم أقل يوما أحبك لأي كان... سواء من أفراد عائلتي أو من صديقاتي، فضلا عن الجنس الآخر ! ليس لأني شحيحة المشاعر، و لا لمعاناتي من جفاف عاطفي... لكن تلك الكلمات كانت ثقيلة على لساني. لم أتعود عليها. و حين كنت أحاول تجربتها في خلواتي، كنت أجدها ركيكة، سطحية، بلا معنى! حتى حين كنت أنجح في التعبير عن الحب في الله كتابة، فإن التعبير الشفوي تبقى له رهبته الخاصة...
ربما لأنني نشأت في محيط عائلي متحفظ لم يشجعني على التعبير. والدتي و والدي ـ حفظهما الله ـ لم يكونا مسرفين في الحب و الحماية. كان هناك قدر كاف من الحنان، دون مبالغة. و كنت و إخوتي نجد ذلك طبيعيا. دأبنا جميعا على التعبير عن الحب بالأفعال قبل كل شيء. فاهتم كل منا بتحصيل النجاح لإدخال السعادة على قلوب أفراد العائلة. ثم كانت هناك الهدايا، رغم بساطتها، و اللفتات الحانية، التي تأتي في وقتها. تكاتف و ائتلاف، مما لا يدع شكا في متانة عائلتنا. و الابتسامة كانت سفير المشاعر الدائم بيننا. أما التعبيرات الجسدية التي تترجم الحب الجارف الذي نراه على شاشات التلفزة، فلم تدخل بيتنا. فكان التربيت على الكتف أو الرأس يعوض العناق الحار في كل حين، و كانت القبلة على الخد تقوم مقام اعترافات الحب الطويلة.
ربما لأنني نشأت في محيط عائلي متحفظ لم يشجعني على التعبير. والدتي و والدي ـ حفظهما الله ـ لم يكونا مسرفين في الحب و الحماية. كان هناك قدر كاف من الحنان، دون مبالغة. و كنت و إخوتي نجد ذلك طبيعيا. دأبنا جميعا على التعبير عن الحب بالأفعال قبل كل شيء. فاهتم كل منا بتحصيل النجاح لإدخال السعادة على قلوب أفراد العائلة. ثم كانت هناك الهدايا، رغم بساطتها، و اللفتات الحانية، التي تأتي في وقتها. تكاتف و ائتلاف، مما لا يدع شكا في متانة عائلتنا. و الابتسامة كانت سفير المشاعر الدائم بيننا. أما التعبيرات الجسدية التي تترجم الحب الجارف الذي نراه على شاشات التلفزة، فلم تدخل بيتنا. فكان التربيت على الكتف أو الرأس يعوض العناق الحار في كل حين، و كانت القبلة على الخد تقوم مقام اعترافات الحب الطويلة.
هكذا كبرت، دون أن يساورني شك يوما بأنني ذات تكوين نفسي غير طبيعي أو معتلة الصحة العاطفية. بل كثيرا ما كنت أنظر بعيني الدهشة إلى صديقاتي اللواتي يتبادلن عبارات الحب الحانية بطلاقة، و يشععن طاقة عاطفية ! لم أكن أشك في صدق مشاعرهن الصافية، لكنني في قرارة نفسي كنت ألمس نوعا من الإسراف و المبالغة. أليست هناك طريقة أخرى للتعبير غير العناق في الطرقات العامة و إطلاق اللسان بما يربك و يخجل؟
ذات مرة، خاطبتني إحدى صديقاتي بلهجة جادة. قالت أن كل من يراني عن بعد يراني شديدة الجدية. و هي نفسها لو لم تتعرف إلي عن قرب، لما غيرت فكرتها عني. و أن طبعي هذا لا يشجع الشباب من الجنس الآخر على الاقتراب مني و التعرف علي... و قد ألقى لاحقا صعوبات في التعامل مع شريك حياتي. فالاتزان و التحفظ قد يترجمان إلى برود و لامبالاة، قلة اهتمام، جفاف عاطفي، انزواء اجتماعي... إلى غير ذلك.
ظللت لفترة أتساءل... هل يجب أن أتغير؟ ما الذي ينتظره مني زوج المستقبل؟ كانت لي طريقتي في التعبير عن مشاعري، فهل يجب أن أغيرها؟ أضيف بعض البهارات ربما؟ لكنني لم أستطع أن أغير شيئا... و بقيت التساؤلات معلقة.
ثم تعرفت إلى زوجي. كان شخصا يشبهني في خجله و تحفظه. و لم تُطرح طاقتي العاطفية أبدا على طاولة النقاش. ثم تزوجنا. و رويدا رويدا جاءت كلمات الحب الأولى. لم تأت دفعة واحدة. بل متمهلة حيية خجلى. لم نستعجلها، بل تذوقنا كل واحدة منها على حدة، و كان طعمها مختلفا في كل مرة. متعثرة أحيانا، أكثر ثقة أخرى. لم نكن قد احترفناها سابقا، فكان للتجربة أثر فريد. في الحقيقة، لم نكن في حاجة إلى تدريب مسبق و لا إلى دورات لهزم الخجل. مشاعرنا وحدها كانت كافية. ثم كان هناك التعود و الألفة. و وجدت لساني ينطلق... بكلمات لم أعد أجدها ركيكة و لا سطحية. لأنها في محلها، و في وقتها، و لمن يستحقها. اكتشفت قدرة على العطاء في داخلي لم أعهدها. قدرة في تنام مستمر، أكاد أجزم معها أنني تغيرت من الداخل دون أن أدري.
ربما كان البعض يجد صعوبة خاصة في مصارحة شريك الحياة بمشاعره، و ربما تقف العادة و التربية حاجزا لدى البعض الآخر... لكن الأرجح هو أن كل رواسب الماضي و كل الطباع الأصيلة و المكتسبة ليست سببا كافيا لليأس و الاستسلام. المبادرة الأولى قد لا تكون يسيرة، لأنها تكون تحديا للنفس قبل كل شيء. لكن ما إن تتم الخطوة الأولى حتى نتجاوز الخجل و الخوف من نظرة الآخر. ثم هناك المشاعر الصادقة التي تدفع إلى إدخال السرور على قلب من نحب. لكن الأهم هو أن نؤمن بقدرتنا على التغيير... بالقدر المناسب، و في الوقت المناسب...
"التمرينات المكثفة" خلال فترة الخطوبة ليست الحل لمشكلة التعبير هذه، حيث تصبح الكلمات مستهلكة و فاقدة لمعناها. ثم قد يعتقد البعض بأنه "أدى الواجب" و انتهى منه، بانتهاء فترة الرومانسية و المشاعر. فيعود إلى طبعه الصامت، و يعجب من مطالبة الطرف الآخر المستمرة بالمزيد من كلام الحب. عجبا... ألم يسبق له أن عبّر بما فيه الكفاية في فترة الخطوبة؟
صديقتي الغارقة في الحب انتهت بالانفصال عن خطيبها. فرحت كثيرا من أجلها. لأنها أدركت أخيرا أن الزواج لا يبنى على كلمات حب خاوية تتغنى بها صباح مساء... و أن الرجل الذي يفقدها حياءها و يبتز مشاعرها قبل أن يكون له الحق فيها، لا يمكن أن يكون أمينا عليها و قادرا على الحفاظ على عفافها...

